الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

23

مناهل العرفان في علوم القرآن

( المثال الأول ) استفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة ، أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر في ذكر هذه الأعضاء بآية الوضوء ، إذ يقول اللّه سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . فأنت ترى أنه - تعالت حكمته - ذكر الرأس وهو ممسوح بين الأعضاء الأخرى وهي مغسولة ، وكان مقتضى الظاهر أن تتصل المغسولات بعضها ببعض وتذكر قبل الممسوح أو بعده لأن المغسولات متماثلة ، والعرب لا تفصل بين المتماثلات إلا لحكمة . والحكمة هنا هي إفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة . على نمط الترتيب الماثل في هذه الآية . وثمة وجه آخر لاستفادة حكم هذا الترتيب أيضا . ذلك أن الآية المذكورة لم تعرض فيها أعضاء الوضوء مرتبة ترتيبا تصاعديا ولا ترتيبا تنازليا ، فلم يبدأ فيها بالأعالى متبوعة بالأسافل ولا بالأسافل متبوعة بالأعالى ، بل ذكر فيها عال ثم سافل ثم أعلى ثم أسفل ، وذلك خلاف مقتضى الظاهر ، ومثله لا يصدر في لغة العرب إلا لحكمة وما الحكمة هنا فيما نفهم إلا إفادة وجوب الترتيب في الوضوء . وبهذا قال الشافعية والحنابلة وإن خالفهم الحنفية والمالكية . ( المثال الثاني ) استفادة وجوب مسح ربع الرأس في الوضوء ، أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر أيضا في قوله سبحانه : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ حيث دخلت باء الجر على الرؤوس وهي الممسوحة ، مع أن الظاهر كان يقتضى دخولها على آلة المسح وهي راحة اليد ، ولكن مخالفة هذا الظاهر في كلام عربى بليغ ، دلتنا على أنه نزل الرأس منزلة آلة المسح إرشادا إلى أن اليد توضع على الرأس وتحرك عليه كأننا مسحنا اليد بالرأس . وبهذه الطريقة تتمسح الناصية عادة ، وهي تقدر بربع الرأس ، فالواجب إذن هو مسح ربع الرأس ، وبهذا أخذ الحنفية ، وإن خالفهم الأئمة الثلاثة ( رضوان اللّه عليهم أجمعين ) .